هنا «الدرباسية»: دكّان حوّاس لتصليح الأحذية وبيع السندويشات هنا «الدرباسية»: دكّان حوّاس لتصليح الأحذية وبيع السندويشات
إلى الغرب منها، مدينة سريه كانيه (رأس العين) التي يعتبرها العديد من المؤرّخين عاصمة المملكة الهوريّة – الميتانيّة قبل 4-5 آلاف سنة، وكَثُرَ الحديث... هنا «الدرباسية»: دكّان حوّاس لتصليح الأحذية وبيع السندويشات

إلى الغرب منها، مدينة سريه كانيه (رأس العين) التي يعتبرها العديد من المؤرّخين عاصمة المملكة الهوريّة – الميتانيّة قبل 4-5 آلاف سنة، وكَثُرَ الحديث عنها في الأشهر الماضية نتيجة هجمات المجموعات الإرهابيّة التكفيريّة عليها وصراعها مع المقاتلين الكرد. وإلى الشرق منها، مدينة عامودا المعرفة بشعرائها ومجانينها وحريق سينماها الذي التهم أرواح أكثر من 250 طفلاً، مطلع الستينات. يمينها، قرية «تل أيلول»، ويسارها قرية «جطال» وتشطرها الحدود التركيّة – السوريّة إلى شطرين.

إنها بلدة الدرباسيّة التي فتحت عينيّ فيها على الدنيا سنة 1976. وبما أن لكل قرية أو مدينة أو دولة، رموزها الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، كذلك الدرباسيّة، حيث يبلغ عدد الوجوه الاجتماعيّة – الشعبيّة فيها أضعاف الوجوه الثقافيّة والسياسيّة. وعلى سبيل الذكر لا الحصر: ملا حسن حسيني، ملا تمرهندي، ملا دندك، حج بوجو، ملا حمادي، ملا باجاري، ملا كنّم، صوفي سمّك، صوفي نزيرو، صوفي رسيني، خليل رزو، آحو، صوفي كزاني، شيخو رهوانو، حجي شينو، جمهورو، يوسفي وحمادي، ملفونو، فرمو حنا، مرقص زوقي، سعدو مسعي، سعيد جري، أبو غارو، سعيد توما، اسحاق عبدو، الاستاذ ملك بحّو، الاستاذ كمال كوركيس، موسى آدميه، عزو أرزاني، ساعي البريد أبو آرمين، الأستاذ كنوشيه، المختار عبدالقادر… وهنالك المئات من الأسماء التي لا تتسع هذه المقالة لذكرها، وتجربة كل شخص من هؤلاء وقصّته، تصلح لأن تكون مشروع رواية، ضمن ذلك الفضاء الاجتماعي الموزاييكي – التنوّعي إثنيّاً وقوميّاً ودينيّاً الذي كان اسمه «الدرباسيّة«. ولعل من الشخصيّات الظريفة وخفيفة الظلّ، والمعروفة في الدرباسيّة، العم حوّاس عزالدين، الإسكافي وبائع سندويشات الفلافل والمقالي.

حانوت الدنيا

في زقاقٍ معتّم، إلى جانب محلّ صبري سمّك لبيع الدهانات والزجاج وصكّ المفاتيح، وقبالة محلّ مصطو البالاجي لبيع الثياب المستعملة، لا زال حانوت العم حواس عزالدين موجوداً، كشاهدٍ على الكثير من الذكريات. هذا الدكّان الصغير نسبيّاً، يمكن ان تعثر فيه على كل شيء، مكدّس على الرفوف. وكتعبير عن روحه الكوميديّة المرحة، علّق العم حوّاس على باب دكّانه كرتونة مكتوب عليها: «أطلب ما تريد من أبو وليد»، وكرتونة أخرى مكتوب عليها، موجّهاً الكلام لزبائنه: «أنا موجود في قهوة حمدو» أثناء غيابه عن المحلّ. بينما كتب على الباب القديم الذي نخره الصدأ: «لتصليح دواليب البشر»، في إشارة منه إلى أنه إسكافي. وتشبيهه الأحذية بالدواليب، يعني أنه يعتبر البشر عربات أو سيّارات، تعبر هذه الحياة، مصيرها التلف والحاجة إلى الصيانة وقطع الغيار.

هذا الحانوت المظلم، الذي كان ينيره مصباح كهربائي واحد (لمبة نيون) حين كنا ندخله، لتصليح حذاء، نجد العم حوّاس ينفض يديه من قلي البطاطا أو الفلافل، أو من لفّ سندويش لزبون آخر، ثم يتجه لفحص الحذاء لمعرفة «دائه» كي يصف له الدواء، ويطلب من الزبون أن يذهب لقضاء جولة عدّة ساعات في الدرباسيّة محدداً له الاتجاه، وبعد انتهاء الجولة، يأتي لأخذ الحذاء، معافى من «علّته» وقد شفي تماماً. وأحياناً، حين كنّا ندخل عليه، لشراء سندويش، نراه ينفض يديه من أحد الاحذية كي يلفّ لنا السندويش بمهارة. ولأن «سندويشاته« كانت لذيذة، لم نكن نكترث بأن اليد التي كانت قبل قليل تصلح الحذاء، هي نفسها التي لفّت السندويش! ونظراً لضيق الحانوت، لم يكن هنالك مساحة لماكينة خياطة الأحذية. وعليه، كان يكتفي حوّس بالمطرقة والسندان والمسامير، والمواد اللاصقة التي يستعملها أي إسكافي.

الزقاق الذي يقع فيه حانوت عمو حوّاس، لطالما كنّا نستخدمه في الإفلات والهرب من المسيرات التي كانت المدرسة تجبرنا على الخروج فيها للاحتفال بمناسبات حزب البعث. فحين كانت المسيرة تمرّ من الشارع الذي يتفرّع منه الزقاق، كنّا نلوذ بالفرار من المسيرة، بعد التأكد من أن أعين «العسس» و»الوشاة» من عناصر الشبيبة والحزب ضمن الطلبة، لم تلمحنا. زد على ذلك أن هذه العناصر، لا يمكنها اللحاق بنا، كون الزقاق يفضي إلى ساحة، والأخيرة بدورها ترتبط بشارع آخر عبر زقاق جديد.

نريد لقطة زيكو

كنّا أطفالاً يافعين ومراهقين، وحين ندخل دكّان العمّ حوّاس، بحجة شراء صور أبطال الرياضة (كرة القدم، كمال الأجسام)، فيعطينا رزمة من الصور نقلّبها ونقلّبها، ونستمرّ في ذلك لربع ساعة، ولكن أعيننا كانت على صور أخرى، لراقصات أو ممثلات عربيّات أو أجنبيّات في لباس فاضح ومكشوف. ونستمرّ في تقليب صور الرياضيين، بينما نسترق النظر الى تلك الصور الأخرى ونعتبرها «سكس» في حين أنها كانت مجرّد صور مثيرة فقط، لحين مقاطعة حوّاس شرودنا قائلاً: «هيه!؟… هل انتقيت ما تريد؟!«. وفنردّ عليه إمّا بالإيجاب واختيار صورة كان ثمنها نصف ليرة. أو نقول له: لا. ثم نعيد إليه صوره، قائلين: «نريد لقطة زيكو حين سجّل هدفاً في مرمى إيطاليا«. وهو كان يعرف أن طلبنا تعجيزي. فيبدي تبرّماً خفيفاً.

أبو المسرح

لو أراد أي باحث أو ناقد إجراء دراسة عن الحركة المسرحيّة في الدرباسيّة، الآن، أو بعد مئة سنة، لا مناص أمامه إلاّ العودة إلى تجربة العمّ حواس، لكونه مؤسس أول فرقة مسرحيّة شعبيّة مطلع نهاية الستينات وبداية السبعينات. فحوّاس المولود سنة 1947، درس سنتين فقط في المدرسة الريفيّة بالدرباسيّة، أسس فرقة مسرحيّة تضمّ كرداً وعرباً وسرياناً، سمّاها «بني آدم»، بالاشتراك مع الكاتب إدريس الهلالي (عربي) وغسّان برو قدسو (سرياني) وسراج أوسي (كردي)، أنضمّ إليها فيما بعض فهمي سعدون وآخرين. ويذكر بأنه كان هنالك فتيات ضمن فرقته وقتئذ. وأنه قدّم مسرحيات، كوميديّة اجتماعيّة ناقدة كثيرة, لا تتناول المشاكل والقضايا الدينيّة أو السياسيّة، بل تركّز على الجانب الخدمي ونقد العادات والتقاليد الاجتماعيّة السلبيّة بالاضافة إلى نقد ظواهر الطمع والجشع، بخاصة في المهن التي من المفترض أن تكون إنسانيّة، كمهنة الطبّ. ويشير بأنه لم يكن هنالك مصادر تمويل للفرقة، وأن كل العروض كانت مجانيّة، ويضيف: «كنّا متحمسين للعمل المسرحي، حتّى لو كلّفنا ذلك خسارة المال والجهد، سعياً وراء إرضاء موهبتنا«. ويعلل سبب عدم تعرّضهم للضغوط والمضايقات الأمنيّة بالقول: «ننا كنا نعمل جل التبرع لفلسطين. وفي مقدمة أي حفلة أو عرض، نقدّم لمحة عن الوطن. وعروضنا كانت كوميديّة». بينما يذكر فهمي سعدون (أحد اعضاء الفرقة) أنه وبالتعاون مع حوّاس، ألّفا سيناريو مسلسل للتلفزيون السوري، يتناول حياة عائلة في المناطق الكرديّة السوريّة، على الحدود التركيّة، والمصاعب التي تواجهها، إلاّ أن السيناريو تمّ رفضه.

لن أعود

ويقول العم حوّاس بأنه لن يعود للمسرح مرّة أخرى، «لأن قطار العمر مضى. والنظر صار ضعيفاً، وتساقطت اسنان. ولم يعد بإمكاني قيادة درّاجة هوائيّة». وألمح بأنه لا يتابع الاعمال المسرحيّة في المنطقة، وأنه غير راضٍ عنها. وأضاف: « أستطيع المشي كثيراً. ويمكن للسلحفاة أن تسبقني. وأرفض الهجرة من وطني، تحت أيّ ظرفٍ كان. أنا مؤمن بمقولة: «المرأة من بيت أهلها، إلى بيت زوجها، إلى القبر». ويذكر طبيعة عمله الحالي بعبارات مشوبة بالسجع الفكاهي قائلاً: «بعد أن جارت علينا الأحوال الاقتصاديّة، ولم يبق زيت في السوق، تركت مهنة بيع سندويشات الفلافل والمقالي والخبز الي، يا أخونا الغالي، وبقيت في مهنة تصليح دواليب البشر. ولامني الناس على عملي، وتقريباً أرادوا منعي، وقالوا لي: عيب، أنت مسلم، وتشتغل إسكافي!؟. هذا العمل للأخوة المسيحيين فقط». باعتبار أن مهنة الإسكافي في الدرباسيّة، في الستينات والسبعينات والثمانينات، كانت محصورة بالمسيحيين«.

هوشنك أوسي / من جريدة المستقبل

حوّاس صاحب دكّان تصليح الأحذية وبيع السندويشات

اضف رد