صفقات الإقليم وصُراخ المُهددين صفقات الإقليم وصُراخ المُهددين
في الوقت الذي تستخدم فيه حكومة بغداد أروقة البرلمان العراقي كجهاز قمع حسب تعبير المتحدث الرسمي باسم الاتحاد الوطني الكردستاني سعدي بيرة، وذلك بدلاً... صفقات الإقليم وصُراخ المُهددين

في الوقت الذي تستخدم فيه حكومة بغداد أروقة البرلمان العراقي كجهاز قمع حسب تعبير المتحدث الرسمي باسم الاتحاد الوطني الكردستاني سعدي بيرة، وذلك بدلاً من أن يكون بيتَ الشعب وصوته، وعوناً للمواطن ضد من يستغلهم من القادة، وضد من يتحكم برقابهم من بعض الساسة الفاسدين، وفي الوقت الذي كشف فيه كل مَن يضمر الحقد والكراهية لكل من يسعى للمطالبة بممارسة حقه بالوسائل الحضارية، وفي الوقت الذي بيّن فيه كل مثقفٍ أو سياسيٍّ عراقي أو مَن كان مِن دول الجوار معدنه الأصلي مِن خلال مَحَك موضوع الاستفتاء، أشاحت حكومة الإقليم بوجهها عن كل الترّهات التصريحاتية عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وراحت تعقد الصفقات الاقتصادية مع الدول العظمى، موحيةً من خلال ذلك بأن كل الصُراخ والتهديدات التي أمطرت على الاقليم وقادته من قبل أتباع الهوى الطائفي لا تُقلق حتى ولو عنصراً من البيشمركة لا يزال يحرس شعاع شمس الحرية في أبعد نقطةٍ في الإقليم من زبانية الظلام وأصحاب الشحناء والسخائم .

حيث وقّعت شركة “روزنفت” الروسية هذا الاسبوع مع حكومة إقليم كوردستان اتفاقاً على إنشاء انبوبٍ لتصدير الغاز الطبيعي من إقليم كوردستان إلى تركيا، وخصصت الشركة الروسية واحد مليار دولار لإنشاء ذلك الانبوب، ووفق الخبراء الاقتصاديين فمن المتوقع أن تستوعب طاقة خط الأنابيب ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من صادرات الغاز الطبيعي سنوياً، بالإضافة إلى تزويد المستخدمين المحليين، وحسب الاتفاق سيتم إنشاء خط الأنابيب في عام 2019 للاستخدام المحلي في الإقليم مع بدء الصادرات عام 2020، حيث تسعى الشركة الروسية لتنفيذ استثمارات في خطوط أنابيب الغاز في كردستان بهدف التوسع في أنشطتها بالإقليم قبيل الاستفتاء على الاستقلال بما سيساعدها على أن تصبح مصدراً رئيسيا للغاز إلى تركيا وأوروبا، والملفت أن الشركة يسيطر عليها الكرملين أي مصدر القرار في موسكو، ولا شك أن مسؤولي الشركة ليسوا جهلاء حتى يعقدوا هكذا اتفاقيات مع الإقليم لو كانوا يخشون من شيء يضر بمصالحهم الاقتصادية في قادم الأيام.

لذا فمن خلال هذا الاتفاق على المستثمرين وأصحاب العقول النيرة أن لا يتأثروا بالتهويل والجعجعة التهديداتية من قبل دول الجوار وأزلامها بعد طرح الإقليم لمشروع الاستفتاء، ثم ما يبعث على الاطمئنان أكثر هو أن الاستثمارات الروسية حسب المشرفين على الاتفاقية ستصل إلى أكثر من مليار دولار، والكميات التي تريدها شركة روزنفت لمساعدة كوردستان على إمداد أسواق التصدير كبيرة، وتمثل ستة في المئة من إجمالي الطلب على الغاز في أوروبا، ونحو سُدس حجم صادرات الغاز الروسية الحالية، علماً أنها أكبر مورد للغاز إلى أوروبا حتى الآن.

ومن ناحية أخرى فلا يُخفى على المتابعين معرفة أن إقليم كردستان يخوض منذ عام 2014 حرباً شرسة ضد تنظيم داعش، كما يستقبل الإقليم نحو مليوني نازح ولاجىء من سوريا والعراق، وفوقها كان العراق قد قطع حصة الإقليم من الموازنة الفيدرالية، كما تمتنع بغداد عن إرسال رواتب ومستحقات موظفي الإقليم، وبالاضافة لانخفاض أسعار النفط فإن كل ذلك والإقليم لا يزال مستمراً في الحرب على داعش وإيواء اللاجئين ولم يعلن عجزه، فأنّى لتهديدات بعض زعماء الميليشيات أن تضر بمن سبق له أن مكث في قاع الجحيم، وقارع أزنخ نظامٍ في المنطقة؟ علماً أنه بعد كل الخناق الذي فرضته بغداد وتنظيم داعش على الإقليم، فنوّه رئيس حكومة الإقليم نجيرفان بارزاني مؤخراً إلى أنهم “يشعرون في هذا العام بوجود مؤشرات على تحسن اقتصاد الإقليم”، وأضاف رئيس الحكومة “نتوقع أن يكون هناك المزيد من التطور، ونحاول أيضا إدخال إصلاحات وعدم الاعتماد فقط على عائدات النفط، بل أيضا على تنويع اقتصادنا”.

كما أنه وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي كانت قد وقُعت مذكرة تفاهم بين واشنطن وحكومة الإقليم، وتنص المذكرة تلك على إنشاء 5 قواعد عسكرية أمريكية في مناطق مختلفة بالإقليم، 3 قواعد منها في منطقة “الحرير” قرب أربيل عاصمة الإقليم، وواحدة في ناحية “أتروش” التي تبعد 85 كيلومتراً شمال غرب أربيل، فيما ستكون هناك قاعدة رئيسية خامسة في محافظة دهوك، كما تعهدت الولايات المتحدة بدفع رواتب قوات البيشمركة لمدة 10 سنوات، والاتفاقية جرى توقيعها بحضور نائب وزير الدفاع الأمريكي بوب وورك، ووزير الداخلية والبيشمركة بالوكالة كريم شنكالي، بحضور رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني.

وختاماً فما أوردناه أعلاه هو لاطمئنان بعض من قد ينتابه الفتور أو القلق على مصالحه من عامة الناس وكذلك من الشخصيات الفاعلة وأصحاب الشركات في الإقليم للقول لهم بأن الروس ليسوا أغبياء ليرموا بأموالهم في مناطق ليسوا واثقين من أنها ستكون على ما يرام، وأن قواعد الأمريكان ليست عبارة عن مخيماتٍ صيفية للكشافة حتى تُنصب وتُنتزع بين ليلةٍ وضحاها هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فلغة الترهيب لا ينبغي أن تؤثر على إرادة مَن وُلد من رحم جحيم الأنفال، ومَن تجرع سُم التفاح الكيماوي في حلبجة، بل وعلى مواطني الإقليم أن يوقنوا بأن من يهددون الإقليم هم من ينتابهم الخوف والفزع وهم مَن يخشون في دخيلة أنفسهم مِن خطوات الإقليم نحو الاستفتاء، وبناءً على ذلك فأرى بأنه من غير المنطقي أن يخشى المواطن الكردستاني من تهديدات الشُذاذِ بينما رئيس الإقليم نفسه يقول في مقابلته الأخيرة مع صحيفة الشرق الأوسط بأنه مستعد في كل لحظةٍ أن يضحي بحياته في سبيل هذا الهدف، ولا يفكر في مصيره الشخصي ولا بحياته! ثم كيف تخشى أيها الكردستاني وتتوتر وتقلق بينما رئيسك يتقدمك، وقائدك واثق الخطوة ورابط الجأش يواجه القدر الذي هو قدر الإقليم برمته، وحيث في ختام مقابلته يقول الرئيس “إذا ظللنا ننتظر القدر، فتلك المجازفة ستكون أخطر مائة مرة من الإقدام على هذه الخطوة، أي خطوة الاستفتاء”.

 

ماجد عارف محمد

 

اضف رد