صدور العدد الجديد من جريدة صوت الأكراد: العدد (492) صدور العدد الجديد من جريدة صوت الأكراد: العدد (492)
ثورات الشعوب ستستمر استشعرت الشعوب الشرق أوسطية عامةً والشعوب العربية خاصةً فترة قصيرة من التفاؤل عقب انطلاقة الربيع العربي وازدهاره من تونس وانتقاله تباعاً... صدور العدد الجديد من جريدة صوت الأكراد: العدد (492)

ثورات الشعوب ستستمر

استشعرت الشعوب الشرق أوسطية عامةً والشعوب العربية خاصةً فترة قصيرة من التفاؤل عقب انطلاقة الربيع العربي وازدهاره من تونس وانتقاله تباعاً إلى الكثير من الدول العربية لإمكانية التخلص من الأنظمة الاستبدادية والقمعية والشمولية والانتقال بمجتمعاتها إلى مرحلةٍ جديةٍ بعد فترة طويلة من التهميش والإقصاء واختزال السلطة والدولة معاً في أيدِ طغمة أمنية وعسكرية فاسدة.
لكن سرعان ما انهارت تلك الآمال أمام معادلة طرحتها وما تزال تطرحها الأنظمة الاستبدادية, ألا وهي, أنا ومن بعدي الطوفان, ووضع جماهيرها أمام خيارين إما الذل والخنوع أو الدم والتشبث بكرسي الحكم حتى لو بات هذا الكرسي عائماً على بحر من دماء شعوبهم لنكون أمام خطاب سياسي غير عقلاني يخلط بين الأسباب والنتائج, جوهره إلقاء اللوم على الشعوب وحراكها وثورتها تجاه العنف والاستبداد الذي مورس بحقه. بل بات البعض يترحمون السنوات الطويلة التي سبقت الربيع العربي وكان الشعب كان في الفردوس الموعود قبل ثوراته.
إن الوقوف بجدية وبلغة الأرقام على واقع الإنسان العربي في البلدان التي شهدت هذا الربيع سواءً السياسي أو الاقتصادي والمعاشي وبقية جوانب الحياة الأخرى, سيضعنا أمام نتائج مرعبة, فهي البلدان الأكثر فقراً والأكثر قمعاً والأكثر فساداً فضلاً عن الدساتير الوهمية و البرلمانات الشكلية والمعارضة المصطنعة أمنياً والمدارة من قبل الفروع الأمنية, قضاءٌ معطل بطالةٌ تطال نصف الشعب, ورؤساء عاجزين عن قضاء وظائفهم الفيزيولوجية بل غير قادرين حتى على النطق والمشي في بعض الأحيان, رغم كل ذلك على الشعب أن يرضخ لهذه الوقائع ويتعايش ويتكيف معها تجبنا لشلالات الدم, ممنوع عليه أن ينتفض ضد هذا الواقع, وينعم بالحياة اللائقة الكريمة مثله مثل بقية شعوب العالم, بل وصل الأمر في أحيانٍ كثيرةٍ على إن يحاسب المواطن في تلك البلدان على الحلم الذي يحلم به.
إن الحديث عن بعض الإصلاحات الشكلية التي كانت تتم وكانت تهدف إلى حل بعض الأزمات القصيرة المدى وأكثرها نتيجة لضغوط دولية لا تعني تطور الحالة الديمقراطية أو المنظومة الفكرية لدى النظم الحاكمة أو إحساسها بالحاجة إلى تطوير مجتمعاتها كما يهيأ للبعض, وإن تلك المجتمعات في سيرها إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي للسلطة وسلطة القانون, بل إن تلك التكتيكات أو المراوغات كانت دائما خطوات مؤقتة للقيام بالتفاف فاضح ومقرف على الدستور أو القانون أو احتواء الضغوط الدولية.
لذلك من السخف حقاً إلقاء اللوم على شعوب تنتفض في وجه أعتا الدكتاتوريات وتحميلها مسؤولية واقع الحال بعيد الثورات في بيئة تم إعدادها بعناية فائقة على مدى ما يقرب من نصف قرن, حرصت خلالها نظمها الحاكمة المستبدة على إلغاء الدولة بوصفها الإطار المؤسسة العليا أو الإطار القانوني وتحويلها إلى مزرعة خاصة للقائد أو الحاكم وأولاده وأقربائه وإغلاق جميع الأبواب أمام أي تغيير أو إصلاح بسيط حقيقي.
ومن السذاجة ربط الأمن بأنظمة قمعية متفننة في التنكيل بالإنسان وممارسة أبشع صور التعذيب النفسي والجسدي والقفز فوق معنى الأمان الذي هو في جوهره ضمان وغاية وحاجة إنسانية وحصره في الوطن الأمني الذي يرسم جغرافيته زبانية النظام ومزاجية القائد وأعوانه.
الثورة تخطئ ولكنها ليستْ خطاً بحدِ ذاته, قد لا تمتلك الخبرة السياسية, وقد لا تكون قادرة على صياغة رؤية مستقبلية, شاملة ومستوعبة لجميع الإشكاليات الإيديولوجية أو الاثنية أو الطائفية داخل البلاد, والتي أساسا لا يمكن حلها إلا في مؤسسات ديمقراطية تنشأ بعد المرحلة الانتقالية لأي ثورة شعبية.
ومن الأخطاء الشائعة المصاحبة للثورات والتي تحسب على الثورة بحد ذاتها, التفاؤل المفرط لإمكانية الانتقال إلى الديمقراطية, دون وعي ثقافي و سياسي وتاريخي بطبيعة الديمقراطية ودون إدراك بأنها ليست الحل بحد ذاته لمشكلات المجتمع, الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بقد ما هي إطار يمكن من خلال مؤسساتها وإجراءاتها ومبادئها تقديم الحلول لقضايا الحريات والمواطنة وإدارة السلطة أو الصراع عليها عبر طرق سليمة, ومن خلال مؤسسات تستطيع الانتقال ببنية الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى مرحلة أفضل من خلال إجراء سلسلة إصلاحات لجميع جوانب الحياة, وهذا يعتمد على إرادة وخبرة النخب الحاكمة وعدم تحقق ذلك ليس دليلا أضافياً لفشل تلك الثورات.
هذه الثورات بالنتيجة هي الخلاص, فبدون الاستبداد يتسع الوطن للجميع, ويتعايش فيه الجميع قد تفتقر الثورات إلى برامج عمل, ولكنها بالنتيجة مشبعة بالأمل, الثورات تنطلق بفعل النضج الفكري والثقافي والاجتماعي, تنطلق من منطق الحاجة إلى التغير, أنها رفض لأكثر الأنظمة عنفاً وشموليةً عبر التاريخ, رفض لجميع التنظيمات الراديكالية والمتشددة التي سترحل برحيل هذه الأنظمة المغذية والداعمة والساندة والحاضنة لها.
الثورات ستسمر طالما إن إرادة الشعوب مغيبة, لن تختصر على السودان والجزائر أيضا ولن تتوقف عند هاتين الدولتين, ولن تخيفها المجازر المرتكبة في سوريا أو الحرب الطاحنة في اليمن وليبيا أو صعود العسكر في مصر, وحتى لن ترتعب من ظهور الحركات الإرهابية في كتنظيم داعش والنصرة وغيرهما.
فالخوف والأمل نقيضان والشعوب لا تفقد الأمل لأنه من صيرورة الحياة, تتعلم الشعوب من أخطاء بعضها ومن تجارب الآخرين ولكنها لا تستسلم, وتكون قادرة على قيادة الحراك الجماهيري بما يحقق في النهاية أهداف وطموحات شعوبها وهو المتأمل.


اضف رد